جلال الدين السيوطي

49

الإتقان في علوم القرآن

وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [ الرحمن : 24 ] والجامع فيهما : العظم ، والفائدة : إبانة القدرة على تسخير الأجسام العظام في ألطف ما يكون من الماء ، وما في ذلك من انتفاع الخلق بحمل الأثقال ، وقطعها الأقطار البعيدة في المسافة القريبة ، وما يلازم ذلك من تسخير الرياح للإنسان . فتضمّن الكلام بناء عظيما من الفخر وتعداد النّعم . وعلى هذه الأوجه الخمسة تجري تشبيهات القرآن . السادس : ينقسم باعتبار آخر إلى « 1 » : مؤكّد : وهو ما حذفت فيه الأداة ، نحو : وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] أي : مثل مرّ السّحاب . وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [ الأحزاب : 6 ] . وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ آل عمران : 133 ] . ومرسل : وهو ما لم تحذف ، كالآيات السابقة . والمحذوف الأداة : أبلغ لأنه نزّل فيه الثاني منزلة الأوّل تجوّزا . قاعدة : الأصل دخول أداة التشبيه على المشبّه به ، وقد تدخل على المشبّه « 2 » . إمّا لقصد المبالغة ، فيقلب التشبيه ، ويجعل المشبّه هو الأصل ، نحو : قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [ البقرة : 275 ] كان الأصل أن يقولوا : إنما الربا مثل البيع ، لأنّ الكلام في الرّبا لا في البيع ، فعدلوا عن ذلك ، وجعلوا الرّبا أصلا ملحقا به البيع في الجواز ؛ لأنّه الخليق بالحلّ . ومنه قوله تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] فإنّ الظاهر العكس ، لأنّ الخطاب لعبدة الأوثان الذين سمّوها آلهة ، تشبيها باللّه سبحانه وتعالى ، فجعلوا غير الخالق مثل الخالق ، فخولف في خطابهم لأنّهم بالغوا في عبادتهم ، وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة ، فجاء الردّ على وفق ذلك . وإما لوضوح الحال ، نحو : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [ آل عمران : 36 ] فإنّ الأصل : ( وليس الأنثى كالذكر ) . وإنّما عدل عن الأصل لأنّ المعنى : ( وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت ) . وقيل : لمراعاة الفواصل ، لأنّ قبله : إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى [ آل عمران : 36 ] .

--> ( 1 ) انظر البرهان 3 / 426 - 429 . ( 2 ) انظر البرهان 3 / 426 - 428 .